
تسعى الإمارات العربية المتحدة إلى توسيع نطاق استثماراتها في سوريا، في إطار تموضعها لأداء دور أكبر في رسم المستقبل الاقتصادي لهذا البلد وتوجهاته الإقليمية. وتنظر أبوظبي إلى سوريا ما بعد الأسد باعتبارها ساحة استراتيجية يمكنها من خلالها توسيع نفوذها، وتعزيز شبكات التجارة خارج مضيق هرمز، وتأمين موطئ قدم راسخ في النظام الإقليمي الناشئ في أعقاب انحسار النفوذ الإيراني.
وقد بات الانخراط الإماراتي في سوريا جزءاً من منافسة جيوسياسية أوسع مع قوى إقليمية، في مقدمتها المملكة العربية السعودية وتركيا وقطر، حول مستقبل التوجه السياسي والاقتصادي السوري.
يُعدّ الدور الإماراتي في سوريا منذ عام 2011 الأكثر مرونة وتكيفاً بين دول مجلس التعاون الخليجي الست. فبينما آثرت قطر والكويت الالتزام بعزل دمشق إبان حكم الأسد، اتجهت البحرين والسعودية تدريجياً بعد عام 2020 نحو التعامل الحذر مع سوريا بهدف إدارة المخاطر الأمنية، فيما حافظت سلطنة عُمان على سياستها التقليدية القائمة على الحياد.
أما الإمارات، فقد اتسم نهجها بقدر كبير من التغير والتكيف تبعاً لتطور الأحداث؛ إذ دعمت في البداية المعارضة السورية وطالبت برحيل الأسد، ثم أعادت تموضعها تدريجياً، وأيدت التدخل الروسي باعتباره ضرورة لمكافحة الإرهاب، وعادت إلى التعامل مع دمشق دبلوماسياً. كما أدت الدبلوماسية الإماراتية دوراً مباشراً وغير مباشر في عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية.
وعقب انهيار نظام الأسد، تكيّف الموقف الإماراتي مجدداً مع المشهد السياسي الجديد، إذ تعاملت أبوظبي في البداية بحذر مع القيادة الجديدة في دمشق، قبل أن تختار في نهاية المطاف دعم الحكومة الانتقالية دبلوماسياً واقتصادياً.
جاء أوضح مؤشر على هذا التحول مع الإعلان عن استثمارات إماراتية ضخمة في سوريا. فقد أعلنت شركة إعمار العقارية الإماراتية عن خطط لاستثمار نحو 11 مليار دولار في دمشق وما حولها، إلى جانب ما يصل إلى 7 مليارات دولار في مشاريع على الساحل السوري، وذلك ضمن حزمة استثمارية إجمالية تبلغ نحو 18 مليار دولار.
وفي يوليو 2025، وقّعت شركة DP World اتفاقية امتياز لمدة 30 عاماً مع الهيئة العامة للموانئ البرية والبحرية السورية، تتضمن ضخ 800 مليون دولار لتطوير ميناء طرطوس وتشغيله، في أول اتفاق كبير توقعه السلطات الانتقالية السورية. وقد بدأت الشركة فعلياً تشغيل الميناء في نوفمبر 2025 في إطار هذه الاتفاقية.
اتضحت القيمة الاستراتيجية للموانئ السورية بصورة جلية في أعقاب إغلاق مضيق هرمز، لا سيما حين بدأ العراق باستخدام البنية التحتية السورية، بما فيها ميناء بانياس، مساراً بديلاً لنقل صادراته إلى الأسواق الأوروبية. وتنظر الإمارات إلى الساحل السوري كجزء من استراتيجية أوسع للربط الإقليمي تهدف إلى تحصين نقاط ضعفها البحرية في منطقة الخليج.
وتمتلك الإمارات سنوات من الخبرة في توسيع نفوذها في مجال البنية التحتية البحرية وسلاسل الموانئ واللوجستيات عبر الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، وهي تسعى الآن إلى دمج سوريا ضمن هذه الشبكة الاستراتيجية. وقد بلغت التجارة غير النفطية بين البلدين 1.4 مليار دولار في عام 2025، بزيادة سنوية تجاوزت 132 بالمئة.
يرى المحللون أن النهج الاستثماري الإماراتي في سوريا يشبه إلى حد بعيد الاستراتيجية الاقتصادية السابقة للإمارات في مصر، حيث لم يكن رأس المال الخليجي مجرد أداة لنشر الاستقرار الاقتصادي، بل تحوّل أيضاً إلى آلية لتوسيع النفوذ السياسي على المدى البعيد. وقد استثمرت إعمار العقارية وحدها ما يزيد على 18 مليار دولار في مصر، وهو ما يراه المراقبون نموذجاً يُحتذى به في التعامل مع سوريا.
ويرى المحللون أن توقيت هذه الاستثمارات يعكس ارتفاع مستوى الثقة بالحكومة الانتقالية السورية، في ظل تقدم ملموس على صعيد دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن المنظومة الأمنية الرسمية، وتنامي الاعتراف الإقليمي والدولي بقدرة دمشق على الحفاظ على الاستقرار وإطلاق مسار اقتصادي وسياسي متماسك.
المزيد ..
