
يدخل التقارب السوري الأردني مرحلة جديدة أكثر عملية، بعد أن أسفرت الدورة الثانية لمجلس التنسيق الأعلى، المنعقدة في عمّان بتاريخ 12 نيسان 2026، عن توقيع تسع اتفاقيات ومذكرات تفاهم في قطاعات حيوية، إلى جانب بحث ملفات الطاقة والمياه والنقل والمعابر وتسهيل التجارة. وقد شارك في الاجتماع 30 وزيراً من كلا البلدين، في مؤشر على عمق التنسيق الثنائي.
يندرج هذا الاجتماع ضمن إطار مجلس التنسيق الأعلى الذي أُنشئ في أيار 2025، ويعمل وفق آلية متابعة تعتمد لجاناً مختصة واجتماعات دورية كل ستة أشهر. وتكتسب الاتفاقات الأخيرة قيمة إضافية لكونها تدخل في مسار رسمي يتجاوز توقيع المذكرات إلى اختبار قدرة اللجان القطاعية على تحويل البنود إلى إجراءات قابلة للتنفيذ. وقد اتفق المجلس على مأسسة هذا التعاون عبر تشكيل فريق عمل يُناط به تحديد المشاريع الاستراتيجية المشتركة في مجالات الربط الإقليمي للاتصالات والأمن الغذائي والربط السككي والأمن المائي والطاقي والتكامل الصناعي.
يحتل معبر جابر نصيب موقعاً محورياً في هذا التقارب، إذ اتفق البلدان على تنفيذ خطة تطوير مشتركة شاملة تهدف إلى جعله نموذجاً حدودياً ذا مواصفات دولية. وتجلّت الخطوات العملية في إطلاق آلية استيراد جديدة قائمة على مبدأ المعاملة بالمثل، بدأ تطبيقها اعتباراً من العاشر من نيسان الماضي، فضلاً عن تشغيل المعبر على مدار الساعة. وتعكس هذه الخطوات تحولاً في المقاربة الأردنية، من إدارة الحدود بوصفها ملفاً أمنياً إلى التعامل معها كمساحة تشغيل اقتصادي تحتاج إلى إجراءات منتظمة وجمارك أكثر انسياباً.
وتقول مصادر أردنية مطلعة على ملف التنسيق الحدودي إن عمّان تتعامل مع المعبر كمدخل عملي لإعادة تنشيط العلاقة الاقتصادية مع دمشق، إذ يرتبط اليوم بحركة الشاحنات وتسهيل التخليص الجمركي ورفع كفاءة التفتيش وتنظيم العبور نحو الأسواق السورية وما بعدها.
قال الأكاديمي والباحث الأردني الدكتور إياد المجالي إن الاتفاقات الأخيرة تعكس تنامي إرادة سياسية في عمّان للانتقال بالعلاقة مع دمشق إلى مستوى أكثر انتظاماً، مشيراً إلى أن الأردن ينظر إلى الحدود مع سوريا من زاوية تتجاوز الإدارة الأمنية التقليدية، عبر تحويلها إلى مساحة تعاون اقتصادي وسياسي يخدم التنمية والاستقرار والاستثمار في البلدين. وأوضح أن التفاهمات الأخيرة تمنح معبر جابر نصيب، ومعه شبكات النقل والطاقة والتجارة، وظيفة أوسع في ربط سوريا بالأردن ودول الخليج.
في المقابل، تحتاج دمشق إلى الأردن كمنفذ عربي قريب، لا سيما أن الطريق نحو الخليج يمر عملياً عبر الأراضي الأردنية وشبكات النقل المرتبطة بالعقبة والسعودية. وتكشف الاتفاقات الأخيرة أن دمشق تسعى إلى إدراج الاقتصاد في مسار إقليمي أوسع، يبدأ من الغاز والكهرباء، ويمر بالمياه والنقل، ويصل إلى سلاسل الإمداد والتجارة.
تتضمن مخرجات المجلس تعاوناً في قطاعات الطاقة والنقل، من بينها الربط الكهربائي واتفاقيات الغاز وإعادة تفعيل الخط الحديدي، إضافة إلى التعاون في قطاع المياه عبر تطوير حوض اليرموك وضمان القسمة العادلة بين البلدين. ويُضاف إلى ذلك مذكرة التعاون الثلاثية في النقل بين الأردن وسوريا وتركيا، الموقعة في عمّان في السابع من نيسان الماضي، خصوصاً بعد استئناف مرور الشاحنات الأردنية باتجاه تركيا عبر الأراضي السورية في شباط الماضي.
وترى مصادر اقتصادية أردنية أن الاتفاقات الأخيرة تملك فرصة جدية عند انتقالها السريع إلى ترتيبات تنفيذية في المعبر والطاقة والنقل، بما يمنح القطاع الخاص في البلدين قدرة أكبر على حساب الكلفة والاستمرارية.
أكد الدكتور المجالي أن نجاح هذا المسار يرتبط بقدرة الأردن وسوريا على ترجمة الموقع الجغرافي إلى خطط تنفيذية واضحة في النقل والطاقة والتشريعات والبنية التحتية، مشيراً إلى أن الاتفاقات الأخيرة تفتح نافذة أمام شراكة اقتصادية وسياسية أوسع، إذا نجح الطرفان في تأمين متطلبات الانتعاش الاقتصادي، من استقرار المعابر إلى وضوح الإجراءات وتهيئة بيئة جاذبة للاستثمار. وخلص إلى أن عمّان تعمل على دفع هذا المسار عبر خطوات عملية بهدف تحويل الحدود إلى أداة لتنظيم المصالح المتبادلة، وفتح المجال أمام مشاريع أوسع في التجارة والعبور والبنية التحتية.
المصدر: تلفزيون سوريا
المزيد ..

