
تُمثّل زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق محطةً فارقة في مسار العلاقات السورية الفرنسية؛ إذ تُعدّ الأولى من نوعها لرئيس دولة أوروبية غربية منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024. وتعكس الزيارة انتقال العلاقة بين البلدين من مرحلة إعادة التواصل السياسي إلى بناء شراكة استراتيجية شاملة تضمّ الاقتصاد والأمن وإعمار سوريا، في ظل تحولات متسارعة تشهدها المنطقة.
تأتي الزيارة بعد نحو عام من استقبال ماكرون الرئيسَ السوري أحمد الشرع في باريس، في ما كان أول زيارة للشرع إلى دولة أوروبية منذ توليه السلطة. وقد أسهمت باريس في تلك المرحلة بدور محوري في الدفع نحو رفع العقوبات الأوروبية عن دمشق، وهو ما تحقق في معظمه خلال عام 2025. ويرى المحللون أن فرنسا تسعى إلى أن تكون الجسر الأوروبي الأبرز في إعادة دمج سوريا ضمن محيطها الإقليمي والدولي، مع الحفاظ على حضورها التقليدي في المشرق العربي.
لم يقتصر جدول أعمال الزيارة على اللقاءات السياسية، بل تضمّن ملفات اقتصادية واسعة، أبرزها توقيع 14 مذكرة تفاهم، وإطلاق مؤتمر اقتصادي مخصص لإعمار سوريا. وشارك في الوفد المرافق لماكرون كبار مسؤولي الشركات الفرنسية، من بينهم الرئيسان التنفيذيان لشركتَي TotalEnergies وCMA CGM للشحن البحري. وتشمل مجالات التعاون المطروحة:
وأكد ماكرون استعداد فرنسا لتوسيع التعاون مع سوريا في قطاعَي الطاقة والمصارف، مشيراً إلى أن المرحلة الراهنة تمثّل فرصة لبناء شراكة عملية بين باريس ودمشق.
أضافت إعادة فرنسا 23 قطعة أثرية سورية محفوظة في متحف اللوفر بُعداً ثقافياً لافتاً للزيارة، يتجاوز قيمتها التاريخية. وتُمثّل هذه الخطوة رسالةً سياسية تؤكد احترام السيادة السورية، وتُمهّد لتوسيع التعاون في مجالات الثقافة والتعليم والتراث، بما يعزز الثقة المتبادلة بين البلدين. كما زار ماكرون الجامع الأموي في دمشق برفقة الرئيس الشرع، في مشهد يحمل دلالات رمزية بالغة.
على صعيد الملفات الأمنية، أكدت المصادر الفرنسية أن ماكرون أوضح لنظيره السوري أن دمشق لا ينبغي أن ترسل قوات إلى لبنان تحت أي ظرف، وأن الشرع أكد بدوره أنه لن يفعل ذلك بصرف النظر عن أي ضغوط. وتتقاطع هذه المسألة مع مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترامب بدور سوري في ملف نزع سلاح حزب الله، في حين يُفسّر الجانب السوري هذا الدور على أساس دعم الحكومة اللبنانية لا المواجهة العسكرية المباشرة. وترى باريس أن نجاح سوريا في تثبيت مؤسساتها ومكافحة الإرهاب وإعادة بناء اقتصادها سيترك انعكاسات مباشرة على أمن أوروبا، سواء في ما يخص الحدّ من الهجرة غير النظامية أو تنشيط طرق التجارة والطاقة.
في اليوم التالي للزيارة، توجّه الرئيس الشرع برفقة ماكرون إلى أنقرة للمشاركة في قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، حيث التقى الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وتحمل هذه المشاركة دلالات سياسية عميقة، إذ تعكس انتقال سوريا من دولة معزولة دولياً إلى طرف حاضر في أبرز المحافل السياسية والأمنية الدولية. ويُرجَّح أن يفتح لقاء الشرع وترامب الباب أمام مرحلة جديدة من الحوار السوري الأميركي في ملفات مكافحة الإرهاب والعقوبات المتبقية وقضايا الطاقة والاستقرار الإقليمي. وفي المحصلة، تبدو زيارة ماكرون إلى دمشق أكثر من مجرد حدث بروتوكولي؛ فهي إعلان عملي عن دخول العلاقات السورية الفرنسية مرحلة تقوم على المصالح المشتركة والتعاون السياسي والاقتصادي والأمني.
المزيد ..

